|

مجلة نبضات عربية مجلة نبضات عربية
قسم نشاطات مجلة نبضات عربية

آخر الأخبار

قسم نشاطات مجلة نبضات عربية
randomposts
جاري التحميل ...
randomposts

تنسيق وتعديل المدونة الكاتبة كريمة بوعريشة

سندريلا الإحساس

عروس السنابل بقلم رياض المساكني

بعد أن ترجّل شدّ وثاق الحمار، وانطلق راكضا نحو البيت. لقد شعر بالعطش وهو يقطع على ظهر الحمار تحت سياط أشعّة الشمس الصيفيّة المسافة الفاصلة بين الحقل والبيت عبر طريق متربة خاليّة من كلّ ما من شأنه أن يظلّله. ما ان دخل حتى سألته أمّه بصوتها المرتفع رغم رقّته:

- والسّنابل؟

- ما من سنابل أجاب شاكر ابنها بصوت فيه الكثير من الأسف والألم وهو يمسح ما تصبّب من جبينه من عرق.

كان يمنّي النفس بحزمة من سنابل القمح ، يشوي بعضها على رماد دافئ ليلتهمها بنهم وينسج بعضها الآخر عروسا كما علّمه جدّه ذلك.

قالت أمّه مخفّفة عنه:

- الحقول كلّها سنابل مكتنزة...وموسم الحصاد في بدايته.

- أعلمني جدّي أنّ السنابل حصدت، و أنّ الحبوب كدّست بنقاط التجميع في انتظار حملها للديوان. ردّ بشيء من المرارة.

لقد كان غاضبا من جدّه ومن فلّاحي القرية لاعتقاده أنّهم يرفضون تمكينه من حزمة سنابل.

- لا أظنّ أنهم أتوا على كلّ الحقول. موسم الحصاد في بدايته كما قلت، والمحصول وفير هذه السّنة. قال متعجّبا منتظرا توضيحا من والدته.

أطلقت الأمّ زفرة طويلة توحي بعجزها عن تقديم ما يرغب فيه شاكر من توضيح.

منذ عاد إلى القرية بحلول العطلة المدرسيّة الصيفيّة لم يستطع إخفاء ما اشتدّ به من رغبة جامحة في تذوّق القمح المشويّ وتحويل سيقان السنابل إلى عرائس.

- ما الجدوى من عودتي إلى القرية إذا حصدت حقولها و فاتني موسم الحصاد؟

- لم يعد الأمر كما كان. موسم الحصاد أصبح أيّاما معدودة بعد أن غزت الآلات الحاصدة الحقول. ولم يعد أحد يأبه بالعرائس. المناجل أكلها الصدأ، والأصابع عجزت عن مداعبة السنابل والعرائس.قالت أمّه، ثمّ أضافت مخفّفة عنه:

- جدّك لم يمت. ومازال على ما عهدته عليه من حبّ للسنابل وولع بالعرائس.بل انّه أصبح يستعيض سوق السنابل بسعف النخيل ، فيحيكه عرائس أجمل من عرائس القمح وأشدّ توهّجا، وقد يستبدّ بك عشقها فتبرع في حياكتها أضافت مازحة.

- ليس هناك أجمل من عرائس القمح ولا أمتع من حياكتها.

ولّى وجهه نحو النافذة المطلّة على الساحة الفسيحة أمام البيت:<< ماذا لو حوّلت هذه الساحة إلى حقل لزراعة القمح أو إلى بيدر يكدّس فيه كل حصاد القرية؟>> قال ممنّيا نفسه.

أفسدت رؤيته لعمدة القرية وهو واقف أمام البيت مع والده عليه أمنياته ليسأل أمّه بصوت مرتفع وشيء من التوتّر:

- ماذا يريد العمدة من والدي؟ ما الذي أتى به إلى بيتنا؟ أ يريد حصد ساحتنا...؟

- اخفض صوتك وإلا سمعك وغضب والدك.حذّرته أمّه.

-ما حاجته...؟ ماذا يطلب من أبي...؟. تساءل بشيء من الإصرار الممزوج بالكثير من الحيرة، غير مهتمّ بتحذير والدته.

- يطلب من والدك أن يعلّم ابنه نسج العرائس.

ابتسم ابتسامة سخرية أشعرته بالفخر<< وقح هذا العمدة...كان يهزأ بجدّي وبكلّ شيوخ القرية وبالعرائس، وكان يناديني بابن العرائسي ...أذكر انّه كان لا يتردّد في تفتيت ما ننسج من عرائس بين أصابعه بكثير من الحقد والكراهية..ويصرّ على إن نشغل أصابعنا بما يفيد. ولكن ها هو الآن...>>. وتحوّلت ابتسامته إلى ضحكات انتصار عندما تذكر ما كان يتشدّق به عمدة القرية.

-مرحى...مرحى...إذا ابن العمدة سيصبح ابن عرائسي..قال في شيء من الاستنكار.

اقتربت منه أمّه وضغطت على معصمه علّه يلتزم الصمت، لكنّ ضغطها زاد في ارتفاع صوته:

- كان على العمدة أن يكون أسوة حسنة وقدوة لنا...أنا حفيد العرائسيّ وابن العرائسيّ لا أتقن نسجها إلى الآن، وابن العمدة الذي لم يلمس يوما سنبلة ولا نزل بيدرا، لا اعتلى ظهر حمارا ولا درس السنابل يرغب في حياكتها...آه هذا العمدة...>>.

رمقته أمّه بنظرة عتاب، أردفتها بتحذير صارم:

-احذر أن يسمعك.

مازال أمام النافذة إلى أن غاب العمدة عن نظره، عندها التحق بوالده بفناء المنزل. وجده يفترش الأرض وقد مدّ رجله اليسرى أمامه و طوى الرجل اليمنى مشكّلا زاوية قائمة ملأ مساحتها سنابل. وكان على حصير من الحلفاء العمدة متّكئا على مرفقه يراقبه باهتمام وهو يمسك بالحزمة.ألقى شاكر عليهما التحيّة وجلس على الأرض قبالتهما ، ثمّ سال كمن يجهل الأمر:

- لمن العروس؟

-لابني. انّه مغرم بها حدّ الهوس.أجاب العمدة باقتضاب يشي بحالة من القلق وعدم الرضى.

- وهل سيتعلّم حياكتها؟ هل هو قادر على محادثتها؟ هل سيعي أنها ليست مجرّد قشّ ولاهي

سنابل قمح؟

تجهّم وجه العمدة، وظلّ يرمق شاكر. لم يفكر قبل مجيئه في أن يتجر أحد في القرية ويطرح عليه مثل هذه الأسئلة. شرد ذهنه في صورة ابنه الوحيد وهو يشكل برجليه زاوية قائمة وأمامه كومة سنابل...أعاده صوت شاكر الى أجواء جلسته مع والده حين قال بصوت منخفض يخفي سخرية

- هذا جميل...أكون سعيدا إن أتقن صغيرك مداعبة السنابل وبعث في العروس من روحه وإبداعه.

وقبل أن يواصل الحديث عدّل والده من جلسته وقد أنهى حياكة العروس. سلّمها الى العمدة وهو يوصيه:

- ليحافظ عليها وهو يحصي عدد السنابل المكوّنة لها. ليتأمّل طريقة حياكتها. والأهمّ من كلّ ذلك أن يتعلّم انتقاء السنابل الصالحة للحياكة.

أمسك العمدة بالسنابل المنسوجة، ودسّ بكفّه قطعا نقديّة ، ثمّ غادر. استفزّ الأمر شاكر فنظر إلى العمدة نظرة احتقار والى والده نظرة استعطاف أن ردّ عليه نقوده.

انهمك الأب في جمع ما تناثر في فناء البيت من سنابل متحاشيا التطلّع في وجه ابنه مالئا صدره بدخان سيجارته. وهو ينفث ما خزّن في صدره قال شاكر:

-أبي...إن سمحت أريد التحدّث معك. قال بصوت رتيب مترددا.

- وفيما سنتحدّث؟ تساءل الأب وهو يأخذ نفسا عميقا من سيجارته.

- ابن العمدة...عروس السنابل ليست لعبة...ثمّ هي أسمى من أن تباع وتشترى...

أطلق زفرة حرّرته من حمل ثقيل لم يقدر على مواجهة والده به من قبل.

-لا تقلق بني...سأعفيك من كلّ حرج...أراك تخجل من بيعي للعرائس ومن تعليم نسجها بمقابل.

ساد صمت لدقائق لم يقدر شاكر خلالها على الردّ على والده ولا على ن يكشف له ما يشعر به.

- لا علاقة لهذا بالحرج ولا بالخجل...أنا فقط أخاف أن يتحوّل فنّ العرائس إلى حرفة مبتذلة يمتهنها من لا قدرة له على الخلق والإبداع ولا على فكّ رموزها...هذا انتحار.

ترتسم على وجه الأب ابتسامة ساخرة مرفقة بقهقهة جعلت شاكر يشعر بالامتعاض.

<< شعوري بعدم الراحة يزداد ويتحوّل إلى قلق. لا شيء يربطني بعد الآن بوالدي وبأهل القرية.فلم البقاء بينهم؟.>>

توجّه في شيء من التثاقل الى غرفته.مسك بمنجله وقطعة الحبل التي كان يشدّ بها حزم السنابل ومقصا كان معدا لقصّ الزائد عن الحاجة.تأمل معداته وعروسا لم ينه حياكتها بعد وفي هدوء خاطب والديه:

- أمّي...أبي... سأغادر...أراكما بخير...في موسم حصاد أفضل...

آه...حسنا...أراك حسمت أمرك واخترت...ردّ والده بصوت أقرب للحشرجة دون أن يرفع عينيه عن حزمة السّنابل الممسك بها.

اقتربت الأمّ من ولدها ورجته البقاء دون أن تفلح في ذلك. وغادر شاكر متوجها حو بيت جدّه.وما إن حلّ به حتّى طالعه العمدة يجالس جدّه، قبالتهما جلس ابن العمدة وهو يتحسّس بعض السنابل. وكان جدّه يدسّ في جيبه شيئا.

رياض المساكني (انقزو)

مساكن/تونسي


زائرنا الكريم : رجاءآ لاتنس الاشتراك بقناتنا تشجيعآ لنا لتقديم الافضل وحتى يصلك كل جديد
  
شكرا لك .. الى اللقاء 
*
*
بقلم : كريمة بوعريشة

بقلم : كريمة بوعريشة

مدونة خاصة بالأدب والشعر وفنونه.

  • لاتنس الاعجاب بصفحتنا عبر الفيس بوك لمتابعتة كل جديد وايضا من اجل التواصل معنا بشكل مباشر ومستمر.

    تابع
  • يمكنك الان متابعتنا عبر جوجل بلاس وارسال مقترحاتك وايضا حتى يصلك جميع الموضوعات الحصرية فور نشرها.

    تابع
  • تواصل دائما مع اصدقاء يشاركونك نفس الاهتمامات وذلك من خلال متابعة صفحتنا الرسمية عبر تويتر.

    تابع
  • يسعدنا أن تكون احد افراد عائلة ومحبى قناة رؤيا للمعلوميات وذلك عن طريق الاشتراك فى قناتنا على اليوتيوب.

    تابع

مدونة مجلة نبضات عربية ترحب بكل زوارها وتتمنى أن تضعوا رأيكم حول كلماتها المتواضعة ,

جميع الحقوق محفوظة

مجلة نبضات عربية

2018